فخر الدين الرازي

70

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

عن هذا الدليل في جواز القراءة خارج الصلاة فوجب أن تبقى قراءتها في الصلاة على أصل المنع . المسألة الثالثة عشرة : اتفق الأكثرون على أن القراءات المشهورة منقولة بالنقل المتواتر وفيه إشكال : وذلك لأنا نقول : هذه القراءات المشهورة إما أن تكون منقولة بالنقل المتواتر أو لا تكون ، فإن كان الأول فحينئذ قد ثبت بالنقل المتواتر أن اللّه تعالى قد خير المكلفين بين هذه القراءات وسوى بينها في الجواز ، وإذا كان كذلك كان ترجيح بعضها على البعض واقعا على خلاف الحكم الثابت بالتواتر ، فوجب أن يكون الذاهبون إلى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للتفسيق إن لم يلزمهم التكفير ، لكنا نرى أن كل واحد من هؤلاء القراء يختص بنوع معين من القراءة ، ويحمل الناس عليها ويمنعهم من غيرها ، فوجب أن يلزم في حقهم ما ذكرناه ، وأما إن قلنا إن هذه القراءات ما ثبتت بالتواتر بل بطريق الآحاد فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيدا للجزم والقطع واليقين ، وذلك باطل بالإجماع ، ولقائل أن يجيب عنه فيقول : بعضها متواتر ، ولا خلاف بين الأمة فيه ، وتجويز القراءة بكل واحد منها ، وبعضها من باب الآحاد وكون بعض القراءات من باب الآحاد لا يقتضي خروج القرآن بكليته عن كونه قطعيا ، واللّه أعلم . الباب الثاني في المباحث العقلية المستنبطة من قولنا : ( أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ) اعلم أن الكلام في هذا الباب يتعلق بأركان خمسة : الاستعاذة ، والمستعيذ ، والمستعاذ به ، والمستعاذ منه ، والشيء الذي لأجله تحصل الاستعاذة . الركن الأول : في الاستعاذة ، وفيه مسائل : - تفسير الاستعاذة : المسألة الأولى [ تفسير الاستعاذة ] : في تفسير قولنا : « أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم » بحسب اللغة فنقول : قوله : « أعوذ » مشتق من العوذ ، وله معنيان : أحدهما : الالتجاء والاستجارة ، والثاني : الالتصاق يقال : « أطيب اللحم عوذه » وهو ما التصق منه بالعظم ، فعلى الوجه الأول معنى قوله أعوذ باللّه أي : ألتجئ إلى رحمة اللّه تعالى وعصمته ، وعلى الوجه الثاني معناه ألتصق نفسي بفضل اللّه وبرحمته . وأما الشيطان ففيه قولان : الأول : أنه مشتق من الشطن ، وهو البعد ، يقال : شطن دارك أي بعد ، فلا جرم سمي كل متمرد من جن وإنس ودابة شيطانا لبعده من الرشاد والسداد ، قال اللّه تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [ الأنعام : 112 ] فجعل من الإنس شياطين ، وركب عمر برذونا فطفق يتبختر به فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترا فنزل عنه وقال : ما حملتموني إلا على شيطان . والقول الثاني : أن الشيطان مأخوذ من قوله شاط يشيط إذا بطل ، ولما كان كل متمرد كالباطل في نفسه بسبب كونه مبطلا لوجوه مصالح نفسه سمي شيطانا .